قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يسمي اللَّه عيد النصارى واليهود يوم الحج الأكبر، وهو يوم نزول السخط عليهم واللعنة، ولكن جائز أن يسمى بذلك؛ لاجتماع الخلائق فيه من كل نوع؛ على ما سمي يوم الحشر يومًا عظيما؛ كقوله: (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ(5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
وقوله: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) .
أي: إن تبتم عما كنتم عليه فهو خير لكم؛ لأنهم يأمنون من الرعب الذي كان في قلوبهم ويكون ذلك الخوف والرعب في قلوب المشركين؛ على ما روي في الخبر أنه قال:"نصرت بالرعب مسيرة شهر".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) : عما ذكرنا، (فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) أي: غير فائتين من نقمة اللَّه وعذابه.
ويحتمل قوله: [ (إِنْ تُبْتُمْ) ] عن نقض العهد فهو خير لكم في الدنيا، والأول: فإن تبتم وأسلمتم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة.
وروي في بعض الأخبار عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل: بأي شيء بعثت؟ قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي - عليه السلام - عهد فعهده أربعة أشهر، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الحرم مشرك بعد هذا.
وفي بعض الأخبار: ولا يحج المشرك بعد عامه هذا، وكذلك قال في الآية الأخرى: (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ، ففيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد؛ لأنه قال في ملأ من الناس بالموسم: لا يحج مشرك بعد هذا، مع كثرة أُولَئِكَ وقوتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم، ثم لم يتجاسر بعد ذلك النداء أحد أن يدخل مكة للحج وغيره، دل أن ذلك كله كان باللَّه - تعالى - لا بهم.