ثم من الناس من استدل بالخبر الذي روي أنه بعث أبا بكر الصديق على الحج وبعث معه ببراءة، ثم أتبعه عليًّا، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: هل نزل في شيء ؟ قال:"لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني"- على أن عليًّا هو المستحق للخلافة، وهو الأحق بها دون أبي بكر؛ حيث قال:"لا يبلغ عني غيري أو رجل مني".
لكن يحتمل أنه وَلَّى ذلك عليًّا؛ لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهدًا أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم، فولى ذلك عليًّا؛ لئلا يكون لهم الاحتجاج عليه فيقولون: لم ينقض علينا العهد.
أو أن يقال: ولى عليًّا أمر الحرب، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي بكر، وولى أبا بكر إقامة الحج والمناسك، فكان أبو بكر هو المولى أمر العبادات، وعلي أمر الحروب، والحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات.
أو أن يقال: إن أبا بكر كان أمير الموسم، وعليَّا كان مناديه، فالأمير في شاهدنا أجل قدرًا وأعظم منزلة من المنادي، وأمر عليًّا ذلك؛ لما أن ذلك كان أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا(4)
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا صلة قوله: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) .