فإن قالوا: فما معنى قوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} قيل لهم: أراد بذلك - وهو أعلم - إنّ منكم من أخذ ذلك تعجّلا لعرض الدنيا، ولم يقصد به نصرة الدين والأحظّ للمؤمنين، وأنّه أخذه مع الغناء عنه، فإمّا أن تكون هذه صفة للرسول عليه السلام وأبي بكر وعلية المؤمنين الذين قالوا إنّ أخذه منهم فداء قوة للدين، ولعلّهم أن يؤمنوا فيكثروا المسلمين، فمعاذ الله أن يكون قصد من هذه سبيله ابتغاء عرض الدنيا، وأن يخلوا أمة وأهل عصر نبيّ وعسكر إمام وخليفة نبي وإمام من قوم تكون
الدنيا عندهم وتعجيل أعراضها آثر من ثواب الآخرة، ويكونون إليها أميل، والله سبحانه إنّما عاتب هذه الطبقة دون من عداها وهذا بيّن في سقوط ما قالوه.
(فصل)
فإن قالوا: فما وجه قوله: {لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} قيل له: معنى ذلك أنه لولا سبق حكمي وأمري بإطلاق أخذ الفداء لكم وتحليل أكل غنائم المشركين من محاربتكم، وأنني فرّقت في ذلك بينكم وبين من عداكم من الأمم السالفة، لنا لكم ومسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم، لأنّه قد روي في السيرة وذكر المفسرون أنّه لم تحلّ الغنائم لأمة نبيّ قبل نبينا عليه السلام وأمة قبل أمّتنا، وأنّهم كانوا إذا أخذوا الغنائم حازوها ولم يردّوها على المشركين، ولم ينتفعوا بها ولكن يحرّقونها بالنار، فأكرم الله هذه الأمة وزاد في تفضيله عليها، والتوسعة في أحوالها؛ لتحليله لها أخذ الغنائم والانتفاع بها في وجوه التصرف من الأكل وغيره، فهذا تأويل قوله: {لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} ، يعني سبق حكمه بإطلاق ذلك.
فأمّا قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً} فهذا هو الدال على صحّة ما قلناه، من أنّني قد أحللت لكم ذلك بعد أن كنت حرمته على سائر الأمم قبلكم، فسلمتم بأخذه مع التحليل بسبق الكتاب به من العذاب، ثم أكّد تحليله وإطلاقه وبيان الفرق في ذلك بيننا وبين من سلف من الأمم بقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً} أي: لستم في أكله ولحوق مأثم بكم فيه كمن قبلكم، ممّن حرّمت ذلك عليه، وإذا كان ذلك كذلك بان سقوط قدحهم في القرآن بهذا الضرب من الاعتراض.