وفي هذه الآية إشارة إلى ما قررناه في سر القدر في مقدمة هذا الكتاب، وهو أن الله - عز وجل - لو فرض أعمال العصاة إليهم لما كانت إلا معصية بحسب علمه فيهم، فرجح جانب الجبر، وأجراهم على مقتضى العلم.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (24) [الأنفال: 24] أي:
يخلق الدواعي والصوارف في القلب يحول بين المرء وإرادته، فربما أراد الإنسان بطبعه، أو عقله شيئا فيخلق فيه الصارف عنه والداعي إلى خلافه.
ومن هاهنا أخذ بعض العارفين حين سئل: بماذا عرفت ربك؟ فقال: بنقض العزائم، أي إنه يعزم على شيء فينقضه الله - عز وجل - عليه بما يخلقه في قلبه من الصارف عنه، وهذا من أدلة الجمهور على المعتزلة؛ لأن فعل الإنسان إنما يتم بإرادته، وإذا حال الله - عز وجل - بينه وبين إرادته امتنع مقتضاها ووجب مقتضى الصارف، مثاله لو أراد أن يصلي
فصرفه الله - عز وجل - عن الصلاة إلى الأكل لامتنعت منه الصلاة حينئذ، ووجب الأكل، والممتنع لا يوجد سواء امتنع لذاته أو لغيره.
{وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] فيه إثبات المعاد.
{وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} (25) [الأنفال: 25] يحتمل أن المراد: اتقوا معصية لا يختص عقابها بمباشريها، بل يتعدى إلى من ترك إنكارها، فيكون فيها حجة على وجوب إنكار المنكر، وأن تارك الإنكار مع القدرة في حكم فاعل المنكر في لحوق الوعيد، كما أن الردء كالمباشر في قطاع الطريق، وسامع الغيبة أحد المغتابين، وراوي الكذب عالما به أحد الكذابين، ونحو ذلك.
ويدل على هذا التأويل ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إذا ظهر فيكم المنكر فلم تنكروه أوشك أن يعمكم الله بعقاب من عنده» (1) .