{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (17) [الأنفال: 17] يحتج به الفريقان، أما المعتزلة فبقوله - عز وجل: {وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] أضاف الرمي إليه، وأما الجمهور فبقوله - عز وجل: {وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى} [الأنفال: 17] نفى الرمي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأثبته لنفسه، وقد حقق ذلك بعض المفسرين فقال: الرمي بالتراب أو الحجر اشتمل على قبض وإرسال، وهما من النبي صلّى الله عليه وسلّم
وعلى تبليغ وإصابة، وهما لله - عز وجل - ف {وَما رَمَيْتَ} باعتبار هذين {إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى} باعتبار الأولين، وهما عند الجمهور كسب له لا خلق.
{وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (23) [الأنفال: 23] هذا ظاهره مشكل لأنه على صورة قياس مركب من شرطيتين؛ ينتج من الشكل الأول: لو علم الله فيهم خيرا لأعرضوا عن الحق، وذلك يستلزم خلاف مقتضى العلم الأزلي، وأنه محال، وأجيب عنه من وجهين: أحدهما: أن معناه: لو أسمعهم على تقدير أن لا يعلم فيهم خيرا لأعرضوا، وتقريره: أن الجملة المذكورة متضمنة قياسين استثنائيين حذف من كل واحد منهما مقدمته الاستثنائية لظهورها، أحدهما: لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، لكنه لم يعلم فيهم خيرا فلم يسمعهم.
والثاني: لو أسمعهم لتولوا، أي: على تقدير ألا يعلم فيهم خيرا كما دل عليه الاستثناء قبله، لو أسمعهم لتولوا لكنه لم يسمعهم، يعني الدواب البكم الصم، فلم يتصور منهم التولي والإعراض. هذا تقريره على رأي المفسرين.
الثالث: على رأي المنطقيين: أن شرط إنتاج/ [97 أ/م] الشكل الأول كلية كبراه، والكبرى هاهنا وهي {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] ليست كلية إذ ليست مسورة بكلما ونحوها على ما عرف في موضعه، فلذلك لم تنتج الأشكال المذكورة.