وعندما جاوز هذا الحرص حده، بأن غطى على ما يجب أن يسود بينهم من سماحة وصفاء، نزل القرآن ليربيهم بتربيته الحكيمة، وليؤدبهم السامي، وليخبرهم بحكم الله في شأن هذه الأنفال. . وبعد ان عرفوا حكم الله في شأنها، قابلوه بالرضا والإِذعان والتسليم.
«فإن قلت» : ما حقيقة قوله: {ذَاتَ بِيْنِكُمْ} "."
قلت: أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومودة واتفاق.
كقوله: {بِذَاتِ الصدور} وهي مضمراتها.
ولما كانت أحوال ملابسة للبين قيل لها: ذات البين، كقولهم: استقنى ذا إنائك، يريدون ما في الإِناء من الشراب. .
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)
والمراد بذكر الله: ذكر صفاته الجليلة، وقدرته النافذة، ورحمته الواسعة، وعقابه الشديد، وعلمه المحيط بكل شيء ، وما يستتبع ذلك من حساب واثواب وعقاب.
قال الفخر الرازي:
«فإن قيل» : إنه تعالى قال ههنا: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} وقال في آية أخرى: {الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلاَ بِذِكْرِ الله} فكيف الجمع بينهما؟
قلنا: الاطمئنان: إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل: إنما يكون من خوف العقوبة. ولا منافاة بين هاتين الحالتين. بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة وهي قوله - تعالى: {الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله} والمعنى تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله.
والصفة الثانية من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين عبر عنها - سبحانه - بقوله: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} .
أي أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم إذا قرئت عليهم آيات الله أي: حججه وهي القرآن؛ زادتهم إيمانا، أي: زادتهم قوة في التصديق، وشدة في الإِذعان، ورسوخا في اليقين، ونشاطا في الأعمال الصالحة، وسعة في العالم والمعرفة.