4 -ولأن قوله تعالى بعد ذلك {فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ. .} إلخ يؤيد أن السؤال عن حكم الأنفال ومصرفها بعد أن تنازعوا في شأنها، فهو - سبحانه - ينهاهم عن هذا التنازع، وبأمرهم بأن يصونوا أنفهسم عن كل ما يغضب الله... ولو كان السؤال للاستعطاء - بناء على ما شرطه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعض زيادة على سهامهم - لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه، لأنهم لم يطلبوا من الرسول إلا ما وعدهم به وهذا لا محظور فيه.
5 -ولأن الآية الكريمة بمطوقها الواضح، وبتركيبها البليغ، وبتوجيهها السامي، تفيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن المستحق لها. . أما القول بأن السؤال سؤال استعطاء وأن عن زائدة أو بمعنى من فهو تكلف لا ضرورة إليه.
والمعنى الواضح الجلى للآية الكريمة - كما سبق أن بينا -: يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم، ومن المستحق لها؟
قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه، ولرسوله يقسمها بحسب حكم الله فيها، فهو - سبحانه - العليم بمصالح عباده، الحكيم في جميع أقواله وأفعاله.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : ما وجه الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله: {قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول} ؟
قلت: معناه أن حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوضاً إلى رأى أحد، والمراد:"أن الذي اقتضته حكمته الله وأمر به رسوله أن يواسي المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي".
«فإن قيل» : كيف تأتى لأصحابه الذين شهدوا بدداً - وهم من هم في عفتهم وزهدهم - أن يختلفوا في شأن الغنائم؟
فالجواب: أن بعض الصحابة المشتركين في هذه الغزوة هم الذين حدث بينهم الخلاف في شأنها؛ لأنهم لم يكن لهم عهد سابق بكيفية تقسيمها، أما أكثر الصحابة فإنهم لم يلتفتوا إلى هذه الغنائم، بل تركوا أمرها إلى رسول الله - يضعها كيف يشاء.
وأيضاً فإن هؤلاء الذين حدث بينهم الخلاف في شأن الغنائم، كان من الدوافع التي دفعتهم إلى هذا الخلاف، ما فهموه من أن حيازة الغنائم تدل على حسن البلاء، وشدة القتال في سبيل الله، فكان كل واحد منهم يحرص على أن يظهر بهذا المظهر المشرف وهم في أول لقاء لهم مع أعدائهم.