والخلاصة: أنّ جند الشيطان كانوا منبثين في المشركين، يوسوسون لهم - بملابستهم لأرواحهم الخبيثة - بما يغويهم ويغوهم، كما كان الملائكة منبثين في المؤمنين يلهمونهم - بملابستهم لأرواحهم الطيبة - ما يثبتون به قلوبهم، ويزيدهم ثقة بوعد الله بنصرهم، فلما تراءت الفئتان وأوشكا أن يتلاحما .. فر الشيطان بجنوده من بين المشركين؛ لئلا تصل إليهم الملائكة الملابسة للمؤمنين (وهما ضدان لا يجتمعان، ولو اجتمعا .. لقضى أقواهما، وهم الملائكة على أضعفهما، وهم الشياطين) .
فخوف الشيطان من الملائكة إنَّما كان من إحراق الملائكة لجنوده، لا على المشركين، كما يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق متلاشٍ أمامه لا يبقى منه شيء .
{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) }
فإن قلت: ما الفائدة في تكرير هذه الآيات مرة ثانية؟
قلتُ: فيها فوائد:
منها: أنَّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول؛ لأنَّ الآية الأولى فيها ذكر أخذهم، وفي الآية الثانية ذكر إغراقهم، فهذه تفسير للأولى.
الفائدة الثانية: أنَّه ذكر في الآية الأولى أنَّهم كفروا بآيات ربهم، وفي الآية الثانية أنَّهم كذَّبوا بآيات ربهم، ففي الآية الأولى إشارة إلى أنَّهم أنكروا آيات الله وجحدوها، وفي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها.
الفائدة الثالثة: أنَّ تكرار هذه القصة للتأكيد. وفي قوله: {كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} زيادة دلالةٍ على كفران النعم وجحود الحق، وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب اهـ. من"الخازن".
وفي"الفتوحات": كرره؛ لأن الأول إخبارٌ عن عذاب لم يمكِّن الله أحدًا من فعله، وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم، والثاني إخبارٌ عن عذاب مكن الله الناس من فعل مثله، وهو الإهلاك والإغراق.
وقيل: غير ذلك.
وعبارة المراغي هنا: ولا تكرار؛ لأنَّ الدَّأب الأول في بيان كفرهم بجحد ما قامت عليه أدلة الرسل من وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة، وفي تعذيب الله إياهم في الآخرة، فهو دأبٌ وعادةٌ فيما يتعلَّق بحقه تعالى من حيث ذاته وصفاته، وفي الجزاء الدائم على الكفر به الذي يبتدئ بالموت وينتهي بدخول النار.