والدَّأبُ الثاني: في تكذيبهم بآيات ربهم ونعمه، من حيث إنَّه هو المربي لهم، ويدخل في ذلك تكذيب الرسل وعنادهم وإيذاؤهم، وكفر النعم المتعلِّقة ببعثهم، وفي الجزاء على ذلك بتغيير حالهم وعذابهم في الدنيا.
وخلاصة ذلك: أنَّ ما دوَّنه التاريخ من دأب الأمم وعادتها في الكفر والتكذيب والظلم في الأرض ومن عقاب الله إياها .. جارٍ على سننه تعالى المطردة في الأمم، لا بسلب نعمة منهم، ولا بإيقاع أذىً بهم، وإنَّما عقابه لهم أثرٌ طبيعيٌّ لكفرهم وظلمهم لأنفسهم، وأما عذاب الاستئصال بعذاب سماوي .. فهو خاص بمن طلبوا الآيات من الرسل وأنذروهم العذاب إذا هم كفروا بها بعد مجيئها، ثم فعلوا ذلك.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) }
فإنْ قلت: ما معنى هذا التكرار؟
قلتُ: ليس فيه تكرار؛ لأنَّه سبحانه وتعالى ذكر في الآية الأولى حكم ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضًا، ثم ذكر في هذه الآية ما منَّ به عليهم من المغفرة والرزق الكريم، وقيل: إنَّ إعادة الشيء مرةً بعد أخرى تدل على مزيد الاهتمام به، فلما ذكرهم أولًا، ثم أعاد ذكرهم ثانيًا .. دل ذلك على تعظيم شأنهم وعلوِّ درجاتهم، وهذا هو الشرف العظيم. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...