وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الصَّلَاحِ الَّذِي أَقْسَمَ آدَمُ وَحَوَاءُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُ إِنْ آتَاهُمَا صَالِحًا فِي حَمْلِ حَوَّاءَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ غُلَامًا
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلُودُ بَشَرًا سَوِيًّا مِثْلَهُمَا، وَلَا يَكُونَ بَهِيمَةً
عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: أَشْفَقَا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا دُونَ الْإِنْسَانِ""
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَنَّهُمَا دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا بِحَمْلِ حَوَّاءَ، وَأَقْسَمَا لَئِنْ أَعْطَاهُمَا فِي بَطْنِ حَوَّاءَ صَالِحًا لَيَكُونَانَّ لِلَّهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
وَالصَّلَاحُ قَدْ يَشْمَلُ مَعَانِيَ كَثِيرَةً. مِنْهَا الصَّلَاحُ فِي اسْتِوَاءِ الْخَلْقِ. وَمِنْهَا الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَالصَّلَاحُ فِي الْعَقْلِ وَالتَّدْبِيرِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَا خَبَرَ عَنِ الرَّسُولِ يُوجِبُ الْحُجَّةَ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ مَعَانِي الصَّلَاحِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا فِيهِ مِنَ الْعَقْلِ دَلِيلٌ وَجَبَ أَنْ يَعُمَّ كَمَا عَمَّهُ اللَّهُ، فَيُقَالَ إِنَّهُمَا قَالَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا بِجَمِيعِ مَعَانِي الصَّلَاحِ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} فَإِنَّهُ لَنَكُونَنَّ مِمَّنْ يَشْكُرُكَ عَلَى مَا وَهَبَتْ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ صَالِحًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا رَزَقَهُمَا اللَّهُ وَلَدًا صَالِحًا كَمَا سَأَلَا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا وَرَزَقَهُمَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الشُّرَكَاءِ الَّتِي جَعَلَاهَا فِيمَا أُوتِيَا مِنَ الْمَوْلُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِي الِاسْمِ.