ومن مقاصد المثل على ما هو المتبادر تقرير كون سلامة النيّة والقلب وصدق الرغبة في الاهتداء هو الجوهري ولا عبرة بالعلم والاطلاع إذا كانت النيّة خبيثة والسجيّة فاسدة والنفس دنيئة الرغبات والمطالب، خاضعة للهوى والمآرب.
وصاحب هذه الصفات لا يرتفع إذا ما أوتي العلم إلى المقام الرفيع الذي يجدر أن يرتفع إليه بعلمه ويظلّ ينحطّ ويرتكس دون أن ينفعه علم ولا عظة ولا عبرة.
وفي ما احتواه المثل من تنديد وتقريع لاذعين تلقين بليغ مستمر المدى من دون ريب. لأنه صورة قوية كثيرا ما تتكرر في المجتمعات سواء أفي التنديد بالطبقة التي تكون نيرة في عقولها وسعة معارفها ومنحطة في مطالبها وأهوائها وشهواتها، أم في التحذير من الانخداع بأفرادها، أم في تقبيح هذه الصفات المكروهة الضارّة بالمجتمع.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن حذيفة بن اليمان قال، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان ردء الإسلام أعزّه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك. قال حذيفة قلت يا نبي الله أيّهما أولى بالشرك المرميّ أو الرامي قال بل الرامي» . وهذا الحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة وصحته محتملة وقد قال ابن كثير إن إسناده جيد وإن الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما قد وثقوه. وفي هذه الكتب أحاديث من بابه منها حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي سعيد قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم. يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» .
والحكمة الملموحة في الحديث تحذير المسلمين من الضالّين المنحرفين عن علم. ويتساوق تلقينه مع تلقين الآيات.
تعليق على جملة وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها