فَلَمَّا كَانَ مِلْكُ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ خَاصًّا بِرَبِّ الْعِبَادِ وَخَالِقِهِمْ ، وَكَانَ طَلَبُ النَّفْعِ أَوْ كَشْفُ الضُّرِّ عِبَادَةً لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ مَهْمَا يَكُنْ فَضْلُهُ تَعَالَى عَظِيمًا عَلَيْهِمْ - أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَرِّحَ بِالْبَلَاغِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ، وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا الْأَمْرُ لَهُ فِي الْقُرْآنِ مُبَالَغَةً فِي تَقْرِيرِهِ وَتَوْكِيدِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُونُسَ: قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ
اللهُ (10: 49) الْآيَةَ ، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْجِنِّ: قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (72: 21) وَهَذِهِ الْآيَةُ أَبْلَغُ وَأَشْمَلُ مِمَّا فِي مَعْنَاهَا بِمَا فِيهَا مِنْ إِيجَازٍ وَاحْتِبَاكٍ بِحَذْفِ مَا يُقَابِلُ الضُّرَّ وَالرُّشْدَ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَهُمَا ضِدَّاهُمَا بِدَلَالَتِهِمَا عَلَيْهِمَا ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ، وَلَا رُشْدًا وَلَا غِوَايَةً ، وَهَذِهِ الْآيَاتُ بِمَعْنَى مَا هُنَا تُؤَيِّدُ اخْتِيَارَنَا .