وَفِي السُّؤَالِ عَنْ زَمَنِ وُقُوعِهَا بِحَرْفِ الْإِرْسَاءِ الدَّالِّ عَلَى اسْتِقْرَارِ مَا شَأْنُهُ الْحَرَكَةُ وَالْجَرَيَانُ أَوِ الْمَيَدَانُ وَالِاضْطِرَابُ - نُكْتَةٌ دَقِيقَةٌ هِيَ فِي أَعْلَى دَرَجِ الْبَلَاغَةِ . وَهُوَ أَنَّ قِيَامَ السَّاعَةِ عِبَارَةٌ عَنِ انْتِهَاءِ أَمْرِ هَذَا الْعَالَمِ ، وَانْقِضَاءِ عُمْرِ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي تَدُورُ بِمَنْ فِيهَا مِنَ الْعَوَالِمِ الْمُتَحَرِّكَةِ الْمُضْطَرِبَةِ ، فَعَبَّرَ بِإِرْسَائِهَا عَنْ مُنْتَهَى أَمْرِهَا وَوُقُوفِ سَيْرِهَا ، وَالسَّاعَةُ زَمَنٌ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ ، لَا جِسْمٌ سَائِرٌ أَوْ مُسَيَّرٌ ، وَمَا يَقَعُ فِيهَا وَيُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ فَهُوَ حَرَكَةُ اضْطِرَابٍ وَزِلْزَالٍ ، لَا رُسُوٌّ وَلَا إِرْسَاءٌ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لَا حَاصِلٌ ، وَمُتَوَقَّعٌ لَا وَاقِعٌ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (52: 7 ، 8) مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَيَقَعُ حَتْمًا ; وَلِذَلِكَ عَلَّقَ بِهِ بَيَانَ مَا يَقَعُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
(152: 9 - 11) فَلَمْ يَبْقَ لِإِرْسَائِهَا مَعْنًى إِلَّا إِرْسَاءَ حَرَكَةِ هَذَا الْعَالَمِ فِيهَا ، وَإِنَّهُ لَتَعْبِيرٌ بَلِيغٌ ، لَمْ يُعْهَدْ لَهُ فِي كَلَامِ
الْبُلَغَاءِ نَظِيرٌ ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا نَبَّهَ لِهَذَا . وَذِكْرُ السَّاعَةِ أَوَّلًا ، وَالِاسْتِفْهَامُ عَنْ زَمَنِ وُقُوعِهَا ثَانِيًا عَلَى قَاعِدَةِ تَقْدِيمِ الْأَهَمِّ ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ .