{يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} [السجدة: 16] وحيث تقدم النفع على الضر كان ذلك لسبق لفظ تضمن معني نفع كما في هذه السورة حيث تقدم آنفاً لفظ الهداية على الضلال في قوله تعالى: {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى وَمَن يُضْلِلْ} [الأعراف: 178] الخ وفي الرعد تقدم ذكر الطوع في قوله سبحانه: {طَوْعًا وَكَرْهًا} وهو نفع ، وفي الفرقان تقدم العذب في قوله جل وعلا: {هذا عَذَابٌ فُرَاتٌ} [الفرقان: 53] وهو نفع ، وفي سبأ تقدم البسط في قوله تبارك اسمه: {رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} [سبأ: 36] وليقس على هذا غيره ، وابن جريح يفسر النفع هنا بالهدى والضر بالضلال ، وبه تقوى نكتة التقديم التي اعتبرها هذا الفاضل فيما نحن فيه كما لا يخفى.
واستشكلت هذه الآية مع ما صح أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بالمغيبات الجمة وكان الأمر كما أخبر ، وعد ذلك من أعظم معجزاته عليه الصلاة والسلام ، واختلف في الجواب فقيل: المفهوم من الآية نفي علمه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك بالغيب المفيد لجلب المنافع ودفع المضار التي لا علاقة بينها وبين الأحكام والشرائع وما يعلمه صلى الله عليه وسلم من الغيوب ليس من ذلك النوع وعدم العلم به مما لا يطعن في منصبه الجليل عليه الصلاة والسلام.
وقد أخرج مسلم عن أنس.
وعائشة رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: عليه الصلاة والسلام:"لو لم تفعلوا لصلح"فلم يفعلوا فخرج شيصاً فمر بهم صلى الله عليه وسلم فقال: ما لقحتم؟ قالوا: قلت كذا وكذا قال:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"وفي رواية أخرى له أنه عليه الصلاة والسلام قال حين ذكر له أنه صار شيصا:"إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم ، وإن كان من أمر دينكم فإلى"وقد عد عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأمر الدنيا كمالا في منصبه إذ الدنيا بأسرها لا شيء عند ربه.