والثاني: أنَّها على بابها من الظَّرفيَّةِ، والمعنى: حصل ثقلها، وهو شدَّتها، أو المبالغة في إخفائها في هذين الظرفين.
قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}
هذه الجملة التَّشبيهيَّة في محلِّ نصب على الحالِ من مفعول:"يَسْألُونكَ"وفي عَنْهَا وجهان:
أحدهما: أنَّها متعلقة بيَسْألُونَكَ و:"كأنَّكَ حَفِيٌّ"معترض، وصلتها محذوفةٌ تقديره: خَفِيّ بها.
وقال أبُو البقاءِ: في الكلام تَقْدِيمٌ وتأخير، ولا حاجة إلى ذلك، لأنَّ هذه كلَّها متعلقاتٌ للفعل، فإنَّ قوله {كأنَّكَ حَفِيٌّ} حال كما تقدَّم.
والثاني: أنَّ"عَنَ"بمعنى الباء كما تكون الباءِ بمعنى عن كقوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 259] {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام} [الفرقان: 25] ؛ لأن حَفِيَ لا يتعدَّى بـ"عن"بل بالباء كقوله: {كَانَ بِي حَفِيّاً} [مريم: 47] أو يُضَمَّن معنى شيء يتعدَّى بـ"عن"أي كأنك كاشف بحفاوتك عنها.
والحَفِيُّ: المستقصي عن الشَّيء، المهتبلُ به، المعني بأمره؛ قال: [الطويل]
2644 - سُؤالَ حَفِيٍّ عَنْ أخِيهِ كأنَّهُ ...
بِذكْرتِهِ وسْنَانُ أوْ مُتواسِنُ
وقال آخر: [الطويل]
2645 - فَلَمَّا التَقَيْنَا بيَّن السَّيْفُ بَيْنَنَا ... لِسائِلَةٍ عنَّا حَفِيٍّ سُؤالُهَا
وقال الأعشى: [الطويل]
2646 - فَإنْ تَسْألِي عَنِّي فَيَا رُبَّ سائلٍ ... حَفِيٍّ عن الأعْشَى بِهِ حَيْثُ أصْعَدَا
والإحْفَاءُ: الاستقصاء؛ ومنه إحفاء الشَّوارب، والحافي؛ لأنَّهُ حَفِيَتْ قدمُه في استقصاء السَّيْر.
قال الزمخشريُّ: وهذا التركيب يفيدُ المُبالغةَ.
قال أبو عبيدة: وهو من قولهم: تحفى بالمسألةِ أي: استَقْصَى، والمعنى: فإنَّكَ أكثرت السُّؤال عنها وبالغت في طلب علمها، وقيل الحفاوةُ: البرُّ واللُّطْفُ.