وَبِالْجُمْلَةِ، فَالْآثَارُ فِي إِخْرَاجِ الذُّرِّيَّةِ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، وَحُصُولِهِمْ فِي الْقَبْضَتَيْنِ كَثِيرَةٌ لَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّهَا، وَإِنْكَارِهَا، وَيَكْفِي وُصُولُهَا إِلَى التَّابِعِينَ، فَكَيْفَ بِالصَّحَابَةِ؟ وَمِثْلُهَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ وَالتَّخْمِينِ، وَلَكِنْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ، وَأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، وَعَلِمَ الشَّقِيَّ وَالسَّعِيدَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا اسْتَخْرَجَهُ فَرَآهُ آدَمُ هُوَ أَمْثَالُهُمْ، أَوْ أَعْيَانُهُمْ، فَأَمَّا نُطْقُهُمْ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ: فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَقُولُ فِيهِ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فَذَكَرَ الْأَخْذَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ لَا مِنْ نَفْسِ ظَهْرِ آدَمَ،"وَذُرِّيَّتَهُمْ"يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ وَلَدُوهُ إِنْ كَانَ كَثِيرًا، كَمَا قَالَ فِي تَمَامِ الْآيَةِ: {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} [الأعراف: 173] ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ - ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 33 - 34] ، وَقَالَ: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [الإسراء: 3] ، وَقَالَ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ} [الأنعام: 84] ، فَاسْمُ"الذُّرِّيَّةِ"يَتَنَاوَلُ الْكِبَارَ، وَقَوْلُهُ: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ، فَشَهَادَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْقُرْآنِ يُرَادُ بِهَا إِقْرَارُهُ، فَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ تَعَالَى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] ، كَمَا احْتَجَّ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارِ.