أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ لَمْ يُولَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ أَصْلًا، وَلَا جَعَلَ اللَّهُ أَحَدًا مُسْلِمًا، وَلَا كَافِرًا، وَلَكِنَّ هَذَا أَحْدَثَ لِنَفْسِهِ الْكُفْرَ، وَهَذَا أَحْدَثَ لِنَفْسِهِ الْإِسْلَامَ، وَاللَّهُ لَمْ يَفْعَلْ وَاحِدًا مِنْهُمَا عِنْدَهُمْ بِلَا نِزَاعٍ عِنْدَ الْقَدَرِيَّةِ، وَلَكِنْ هُوَ دَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَزَاحَ عِلَلَهُمَا، وَأَعْطَاهُمَا قُدْرَةً مُمَاثِلَةً فِيهِمَا تَصْلُحُ لِلْإِيمَانِ، وَالْكُفْرِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ الْمُؤْمِنُ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي حُصُولَ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَلَوْ كَانَ مَقْدُورًا لَكَانَ ظُلْمًا، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ مُتَأَخَّرِيهِمْ كَأَبِي الْحُسَيْنِ يَقُولُ: إِنَّهُ خَصَّ الْمُؤْمِنَ بِدَاعِي الْإِيمَانِ، وَيَقُولُ: عِنْدَ الدَّاعِي وَالْقُدْرَةِ يَجِبُ وُجُودُ الْإِيمَانِ، فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مُوَافِقٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، فَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالنَّظَرِ الْمَشْرُوطِ بِالْعَقْلِ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَهُمْ ضَرُورِيَّةً، أَوْ تَكُونَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنِ احْتَجَّتِ الْقَدَرِيَّةُ بِقَوْلِهِ:" «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ» "مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَضَافَ التَّغْيِيرَ إِلَى الْأَبَوَيْنِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّهُ لَا يَقْدِرُ اللَّهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُمَا يَهُودِيَّيْنِ وَلَا نَصْرَانِيَّيْنِ، وَلَا مَجُوسِيَّيْنِ، بَلْ هُمَا فَعَلَا بِأَنْفُسِهِمَا ذَلِكَ بِلَا قُدْرَةٍ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَلَا فِعْلٍ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَحِينَئِذٍ لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي قَوْلِهِ:" «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ» ".