وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَعْلِ الْهُدَى، وَالضَّلَالِ فِي قَلْبِ أَحَدٍ، فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ دَعْوَةُ الْأَبَوَيْنِ إِلَى ذَلِكَ، وَتَرْغِيبُهُمَا فِيهِ، وَتَرْبِيَةُ الْوَلَدِ عَلَيْهِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُعَلِّمُ بِالصَّبِيِّ، وَذَكَرَ الْأَبَوَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ، وَإِلَّا فَقَدَ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَمِنْ غَيْرِهِمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: وَاحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِهِ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ، فَأَجَابُوا بِكَلَام شَاهِدِينَ مُقِرِّينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، ثُمَّ وُلِدُوا عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: فَقَوْلُهُ:"ثُمَّ وُلِدُوا عَلَى ذَلِكَ"زِيَادَةٌ مِنْهُ لَيْسَتْ فِي الْكِتَابِ، وَلَا جَاءَتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ.
وَسَنَذْكُرُ الْأَخْبَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ لِنُبَيِّنَ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّ الْأَطْفَالَ يُولَدُونَ، وَهُمْ عَارِفُونَ بِاللَّهِ مِنْ وَقْتِ سُقُوطِهِمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ.
قُلْتُ: قَوْلُهُ:"ثُمَّ وُلِدُوا عَلَى ذَلِكَ"إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُمْ وُلِدُوا حَالَ سُقُوطِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ عَالِمِينَ بِاللَّهِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَأَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ فَقَدْ أَصَابَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الْأَخْذِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا لَمَا عَدَلُوا عَنْهُ إِذَا عَقَلُوا، فَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُرَدُّ.