بعد موقع الواقع لسبق علمه بوقوعه، كما قال عز وجل في موضع من القرآن كقوله تعالى: {ونادى أَصْحابُ النَّارِ ونادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ} {ونادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ} وقال: فيكون تأويل قوله {وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ وإذ يأخذ ربك} وكذلك قوله {وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ} أي ويشهدهم بما ركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ويجب به الثواب والعقاب، وكل من ولد بلغ الحنث وعقل الضر والنفع، وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب، صار كأن اللّه تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل وأراه من الآيات والدلائل على حدوثه، وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه، وإذا لم يجز ذلك فلا بد له من خالق هو غيره ليس كمثله، وليس من مخلوق يبلغ هذا المبلغ ولم يقدح فيه مانع من فهم إلا إذا مرّ به أمر يفزع إلى اللّه عز وجل حين يرفع رأسه إلى السماء ويشير إليها بإصبعه علما منه بأن خالقه تعالى فوقه. وإذا كان العقل الذي منه الفهم والإفهام مؤديا إلى معرفة ما ذكرنا ودالا عليه، فكل من بلغ هذا المبلغ فقد أخذ عليه العهد والميثاق، وجائز أن يقال: أقر وأذعن وأسلم، كما قال اللّه عز وجل ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً.
قال: واحتجوا بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه» ، وقوله عز وجل {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والْأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها ثم قال تعالى وحَمَلَهَا الْإِنْسانُ} . فالأمانة هاهنا عهد وميثاق، فامتناع السماوات والأرض والجبال من حمل الأمانة لأجل خلوها من العقل الذي
يكون به الفهم والإفهام، وحمل الإنسان إياها لمكان العقل فيه، قال: وللعرب فيها ضروب نظم، فمنها قوله:
ضمن القنان لفقعس بثباتها ... إن القنان لفقعس لا يأتلى
والقنان جبل، فذكر أنه قد ضمن لفقعس، وضمانه له أنهم كانوا إذا حل بهم أمر من هزيمة أو خوف لجئوا إليه، فجعل ذلك كالضمان لهم، منه قول النابغة:
كأجارف الجولان هلل ربه ... وحوارن منها خاشع متضائل