ونازع هؤلاء غيرهم في معنى الآية، وقالوا: معنى قوله {وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} أي أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نطفا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم بما أظهر لهم آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم، فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربه ما يشهد على أنه بارئه ونافذ الحكم فيه. فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته، كما قال في غير هذا الموضع {شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} يزيدهم بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا نحن كفرة، وكما تقول: قد شهدت جوارحي بقولك تريد قد عرفته، فكأن جوارحي لو استشهدت وفي وسعها أن تنطق لشهدت، ومن هذا أعلامه وتبينه أيضا {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ} يريد أعلم وبين، فأشبه ذلك شهادة من شهد عن الحكام وغيرهم. هذا كلام ابن الأنباري.
وزاد الجرجاني بيانا لهذا القول فقال حاكيا عن أصحابه: إن اللّه لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن وما لم يكن بعد مما هو كائن، كالكائن إذ علمه بكونه مانع من غير كونه شائع في مجاز العربية أن يوضع ما هو منتظر بعد مما يقع