يبين لنا أن الجبال كانت تردد تسبيح داوود وتلاوته للزبور ، ولا يقتصر أمر الحق إلى الجبال بل إلى كل مخلوق ، فنحن - على سبيل المثال - نقرأ في القرآن الكريم أن ربنا أوحى إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً من الشجر ومما يعرشون . إذن فلله مع خلقه أدوات خطاب ؛ لأنه هو الذي خلق الكون والمخلوقات ، وله سبحانه خطاب بألفاظ ، وخطاب إشارات ، وخطاب بإلهام ، وخطاب بوحي ، فإذا قرأنا أن الحق تبارك وتعالى قال لذرية آدم: ألست بربكم؟ فهذا يعني أنه قالها لهم باللغة التي يفهمونها ، لأنه هو سبحانه الذي قال للسماء والأرض:
{... ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11]
ولقد تكلمت النملة وفهم سليمان كلامها ، ولو لَمْ يُعْلِم اللهُ سليمانَ كيف يفهم كلامها لما عرفنا أنها تكلمت: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ...} [النمل: 18]
إنها تفهم ما يفعله البشر حين يدوسون على كائنات صغيرة دون أن يروها ، ولكن سليمان نبي من أنبياء الله ، ولن يعتدي على خلق الله ، والنملة التي تكلمت كانت تحرس بقية النمل . وكذلك تكلم الهدهد ليخبر سيدنا سليمان عن مملكة سبأ وحالة بلقيس وقومها .
إذن فالله عز وجل يخاطب جميعَ خلقه ، ويجيبُه جميعُ خلقه ، فلا تقل: كيف خاطب المولى سبحانه الذر ، والذَر لم يكن مكلفاً بعد؟ ولم يحاول العلماء أن يدخلوا في هذه المسألة ؛ لأنها في ظاهرها بعيدة عن العقل ، ويكفي أن ربنا الخالق القادر قد أبلغنا أنه قد خاطب الذرات قائلا: ألست بربكم؟ . قالوا: بلىَ . ويبدو من هذا القول أن المسألة تمثيل للفطرة المودعة في النفس البشرية . وكأنه سبحانه قد أودع في النفس البشرية والذات الإنسانية فطرةً تؤكد له أنَّ وراءَ هذا الكونِ إلهاً خالقاً قادرا مدبرا .