أَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ الْمَغْفِرَةِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَهَمُّ وَلَمْ يَكْتَفِ بِذِكْرِ الرَّحْمَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَعَمُّ ، وَلِأَنَّهَا قَدْ تَسْتَلْزِمُ الْمَغْفِرَةَ دُونَ الْعَكْسِ ، فَإِنَّ مَعْنَى الْمَغْفِرَةِ سَلْبِيٌّ ؛ وَهُوَ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الذَّنْبِ ، وَالرَّحْمَةُ فَوْقَ ذَلِكَ فَهِيَ إِحْسَانٌ إِلَى الْمُذْنِبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ ، فَلَا يَلِيقُ خَلْعُ الْحُلُلِ النَّفْسِيَّةِ ، إِلَّا عَلَى الْأَبْدَانِ النَّظِيفَةِ ، وَقَدْ قَالَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي دُعَائِهِ لِنَفْسِهِ وَلِأَخِيهِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ (7: 151) الْآيَةَ ، وَقَالَ نُوحٌ عَنْ تَوْبَتِهِ مِنْ سُؤَالِهِ النَّجَاةَ لِوَلَدِهِ الْكَافِرِ: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (11: 47) وَعَلَّمَنَا تَعَالَى مِنْ دُعَائِهِ فِي خَاتِمَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا (2: 286) وَقَلَّمَا ذُكِرَ اسْمُ (الْغَفُورِ) فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ إِلَّا مَقْرُونًا بِاسْمِهِ (الرَّحِيمِ) وَمِنْ غَيْرِ الْأَكْثَرِ قَرْنُهُ بِالشَّكُورِ وَبِالْحَلِيمِ وَالْوَدُودِ وَيَقْرُبُ مَعْنَاهُنَّ مِنْ مَعْنَى الرَّحِيمِ ، وَوَرَدَ قَرْنُهُ بِالْعَفُوِّ وَبِالْعَزِيزِ لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ ذَلِكَ .
وَدُعَاءُ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُنَا لِنَفْسِهِ مَعَ قَوْمِهِ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ قَدِ اقْتَضَاهُ مَقَامُ الْمُنَاجَاةِ
وَالْمَعْرِفَةِ الْكَامِلَةِ ، وَمَنْ كَانَ أَعْرَفُ بِاللهِ وَأَكْمَلُ اسْتِحْضَارًا لِعَظَمَتِهِ ، كَانَ