فضرب دونه بالحجاب ، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً ، فسمعوه وهو يكلم موسى ، يأمره وينهاه ، افعل ولا تفعل ، فلما فرغ إليه من أمره ، انكشف عن موسى الغمام ، أقبل إليهم ، فقالوا لموسى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَة} وهي الصاعقة التي يحصل منها الإضطراب الشديد ، فماتوا جميعاً فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} قد سفهوا ، أتهلك من ورائي من بني إسرائيل ؟
وفي رواية السدّي: فقام موسى يبكي ويقول: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم ، وقد أهلكت خيارهم {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} .
وقال ابن إسحاق: اخترت منهم سبعين رجلاً ، الخيّر فالخير ، أرجع إليهم ، وليس معي رجل منهم واحد ، فما الذي يصدقونني أو يأمنونني عليه بعد هذا ؟ وعلى هذا فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا ، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني .
وقال الزجاج: المعنى لو شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم ، بما أوجب عليهم الرجفة . انتهى .
قال ابن القيم في"إغاثة اللهفان"بعد نقل كلام من ذكرنا: وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود ، والذي يظهر - والله أعلم بمراده ومراد نبيه - أن هذا استعطاف من موسى عليه السلام لربه ، وتوسل إليه بعفوه عنهم من قبل ، حتى عبد قومهم العجل ، ولم ينكروا عليهم ، يقول موسى: إنهم قد تقدم منهم ما يقتضي هلاكهم ، ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك ، ولم تهلكهم ، فيسعهم اليوم ما وسعهم من قبل ، وهذا كمن واخذه سيده بجرم يقول: لو شئت واخذتني قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجرم ، ولكن وسعني عفوك أولاً ، فيسعني اليوم .