وهذا كلام صحيح يثبته الإِحصاء وييقنه ؛ لأن العالم يتكاثر مع مرور الزمن مستقبلا . {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ...} [النساء: 1]
وهذا كلام صادق . وسبحانه القائل: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ...} [الذاريات: 49]
وأبلغنا سبحانه بقصة خلق آدم ، وكيفية خلق حوّاء فهل أخذ جزءًا من آدم وخلق منه حوّاء؟ قد يصح ذلك ، أو خلق منها زوجها ويكون المقصود به أنه خلقها من الجنس نفسه وبالطريقة نفسها؟ وذلك يصح أيضا ، فسبحانه قد اكتفى بذكر خلق آدم عن ذكر خلق حوّاء ، وأعطانا النموذج في واحد ، وقال: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} .
و {مِنْهَا} في هذه الآية يحتمل أن تكون غير تبعيضية ، مثلها مثل قوله الحق:"رسول من أنفسكم".
فسبحانه لم يأخذ قطعة من العرب وقال: إنها"محمد"، بل جعل محمدًّا صلى الله عليه وسلم من الجنس نفسه خلقاً وإيجاداً ، وسبحانه حين يتكلم هنا يقول للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً ...} [البقرة: 30]
وهذا أول بلاغ ، ثم اتبع ذلك: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29]
إذن فقبل النفخ في الروح ستوجد تسوية ، فلمن تحدث التسوية ، ومن هو"المسوّى منه"؟ . إن التسوية لآدم . وجاء القول بأنه من صلصال ، ومن حمأ مسنون ، ومن تراب ، ومن طين ؛ إنّها مراحل متعددة ، فإن قال سبحانه عن آدم: إنه تراب ، نقول: نعم ، وإن قال:"من ماء"نقول: نعم ، وإن قال"من طين"فهذا قول حق ؛ لأن الماء حين يختلط بالتراب يصير طيناً . وإن قال: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} ، فهذا جائز ؛ لأن الحمأ طينٌ اختمر فتغيرت رائحته ثم جف وصار صلصالاً . إذن فهي مراحل متعددة للخلق ، ثم قال الحق: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} .
وهكذا تكتمل فصول الخلق ، ثم قال: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} .