والجواب عن ذلك والله أعلم: أنه لما كانت الخلل الخمس فِي الآية الأولى وهي: الشرك والعقوق وقتل الأولاد لأجل الفقر وارتكاب الفواحش وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، خمستها مما يدرك العقل ابتداء قبحها، ويستقل بدركها أعنى أن العقل يستوضح قبحها شرعا لبيان أمرها فِي استقباح الشرع إياها، وإلا فالعقل عندنا لا يحسن ولا يقبح.
فلما كانت على ما ذكرنا أتبعت بترجى التعقل لأن السلامة منها لا تكون مع وضوح أمرها إلا بتوفيق الله تعالى ولذلك جاءت بأداة الترجى.
ولما كانت الخمس التالية لها وهي قوله:"ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن"إلى آخرها مما تؤثر فيه الشهوات والأهواء وذلك مما يعمى ويصم أتبع برجاء التذكر فقيل:"لعلكم تذكرون"ومن تذكر أبصر فعقل فامتنع، قال تعالى:"إن الذين اتقوا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون"، ولما كان مجموع هذه المرتكبات العشر مما اتفقت عليه الشرائع ولم ينسخ منها شيء وهي الحكمة التي من أخذ بها كان سالكا الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه ولا أمت واتخذ أسنى وقاية من عذاب الله قال تعالى:"وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه"والأمر عام لكافة الخلق ثم قال سبحانه وتعالى:"ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"أتبعه بقوله:"ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون"وترتب حاصلا من مضمن الآيات الثلاث أنه من عقل وتذكر اتقى والمتقون هم المفلحون فسبحان من هذا كلامه. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 172 - 174} . بتصرف يسير.