وكان عثمان بن أبي دهرش إذا رأى الفجر أقبل عليه بثه وقال الآن أصير مع الناس فلا أدري ما أجني على نفسي وقال داود الطائي فر من الناس كما تفر من الأسد وأوصى سفيان الثوري بعض أصحابه فقال إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدا فافعل وليكن همك مرمة جهازك وكان يقول هذا زمان السكوت ولزوم البيوت وجاء رجل إلى الفضيل فجلس إليه فقال ما أجلسك إلي فقال رأيتك وحدك فقال إما أن تقوم عني وإما أن أقوم عنك فقال أنا أقوم أوصني فقال أخف مكانك واحفظ لسانك وجاء رجل إلى شعيب بن حرب فقال ما جاء بك فقال جئت أونسك فقال أنا أعالج الوحدة منذ أربعين سنة وقال مالك بن أنس كان الناس الذين مضوا يحبون العزلة والانفراد من الناس وقال بشر الحافي من عامل الله بالصدق استوحش من الناس وقد كان أحمد بن حنبل يحب العزلة وإبراهيم بن أدهم وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي في خلق كثير واعلم أن العزلة لا ينبغي أن تقطع عن العلم والجماعات ومجالس الذكر والاحتراف للعائلة وإنما ينبغي أن يعتزل الإنسان ما يؤذي وقد يخاف من المخالطة المباحة أذى فيجتهد الإنسان في ترك ما يخاف عواقبه
ويبعد حضور القلب مع المخالطة للناس إلا أن يكون لمعنى وقد قال شعيب بن حرب الناس ثلاثة رجل تعلمه فيقبل منك ورجل تتعلم منه واهرب من الثالث وقد كان الثوري يقول أقل من معرفة الناس وقال إبراهيم بن أدهم لا تتعرف إلى من لا تعرف وأنكر من تعرف
(إني نظرت إلى الزمان ... وأهله نظرا كفاني
(فعرفته وعرفتهم ... وعرفت عزي من هواني
(فحملت نفسي بالقناعة ... عنهم وعن الزمان
(وتركتها بعفافها ... والزهد في أعلى مكان
(فلذاك أجتنب الصديق ... فلا أراه ولا يراني
(فتعجبوا لمغالت ... وهب الأقاصي والأداني
(وانسل من بين الزحام ... فما له في الخلق ثاني