ثم الوحي من عند العزيز يمد حركاته الفكرية ، والقولية ، والعملية: بالحق في الأفكار ، والصدق في الأقوال ، والخير في الأفعال. فبطرف يماثل البشر ؛ وهو طرف الصورة ، وبطرف يوحى إليه ؛ وهو طرف المعنى والحقيقة:"قل سبحان ربي! هل كنت بشراً رسولاً"؟ فبطرف يشابه نوع الإنسان ، وبطرف يماثل نوع الملائكة ، وبمجموعهما يفضل النوعين ؛ حتى تكون بشريته فوق بشرية النوع: مزاجاً ؛ واستعداداً ، وملكيته فوق ملكية النوع الآخر: قبولاً ؛ وأداء ، فلا يضل ولا يغوي بطرف البشرية ، ولا يزيغ ولا يطغى بطرف الروحانية ؛ فيقرر أن أمر الباري تعالى واحد: لا كثرة فيه ، ولا انقسام له:"وما أمرنا إلا بواحدة"غير أنه يلبس تارة عبارة العربية ، وتارة عبارة العبرية ، والمصدر يكون واحداً ، والمظهر متعدداً.
والوحي: إلقاء الشيء بسرعة ، فيلقى الروح الأمر إليه دفعة واحدة ، بلا زمان: كلمح بالبصر ؛ فيتصور في نفسه الصافية صورة الملقى ، كما يتمثل في المرآة المجلوة صورة المقابل ؛ فيعبر عنه: غما بعبارة قد اقترنت بنفس التصور ، وذلك هو آيات الكتب ؛ أو بعبارة نفسه ، وذلك هو أخبار النبوة... وهذا كله بطرفه الروحاني.
وقد يتمثل الملك الروحاني له بمثال صورة البشر تمثل المعنى الواحد بالعبارات المختلفة ، أو تمثل الصورة الواحدة في المرايا المتعددة ، أو الظلال المتكثرة للشخص الواحد ؛ فيكالمه مكالمة حسية ، ويشاهده مشاهدة عينية... ويكون ذلك بطرفه الجسماني. وإن انقطع الوحي عنه لم ينقطع عنه التأييد والعصمة: حتى يقومه في أفكاره ، ويسدده في أقواله ، ويوفقه في أفعاله.