وأنتم معاشر الحنفاء تعصبتم للرجال ، وقلتم بأن الوحي والرسالة ينزلوا عليهم من عند الله تعالى بواسطة ، أو بغير واسطة. فما الوحي أولاً؟ وهل يجوز أن يكلم الله بشراً؟ وهل يكون كلامه من جنس كلامنا؟ وكيف ينزل ملك من السماء وهو ليس بجسماني: ابصورته أم بصورة البشر؟ وما معنى تصوره بصورة الغير: أفيخلع صورته ويلبس لباساً آخر ، أم يتبدل وضعه وحقيقته؟. ثم ما لبرهان أولاً على جواز انبعاث الرسل في صورة البشر؟ وما دليل كل مدع منهم؟: أفنأخذ بمجرد دعواه ، أم لا بد من دليل خارق للعادة؟ وإن أظهر ذلك: أفهو من خواص النفوس؟ أم من خواص الأجسام؟ أم من فعل الباري تعالى؟. ثم ما الكتاب الذي جاء به: أفهو كلام الباري تعالى ، وكيف يتصور في حقه كلام؟ أم هو كلام الروحاني؟. ثم هذه الحدود والأحكام أكثرها غير معقولة ، فكيف يسمح عقل الإنسان بقبول أمر لا يعقله؟ وكيف تطاوعه نفسه بتقليد شخصه مثله؟ أبأن يريد أن يتفضل عليه؟"ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين".
أجابت الحنفاء بأن المتكلمين منا يكفوننا جواب هذا الفصل بطريقتين: أحدهما الإلزام: تعرضاً لإبطال مذهبنا. والثاني الحجة: تعرضاً لإثبات مذهبنا.
أما الإلزام ؛ فقالوا: إنكم ناقضتم مذهبكم ؛ حيث قلتم بتوسط عاذيمون وهرمس ، وأخذتم طريقتكم منهما. ومن أثبت المتوسط في إنكار المتوسط ؛ فقد تناقض كلامه ، وتخلف مرامه.