قالوا: ونحن إذا أثبتنا إن الكمال في التركيب ، لا في البساطة والتحليل ؛ فيجب أن يكون المعاد بالأشخاص والأجساد ، لا بالنفوس والأرواح ؛ والمعاد كمال لا محالة. غير أن الفرق بين المبدأ والمعاد هو أن الأرواح في المبدأ مستورة بالأجساد ، وأحكام الأجساد غالبة ، وأحوالها ظاهرة للحس ؛ والأجساد في المعاد مغمورة بالأرواح ، وأحكام النفوس غالبة ، وأحوالها ظاهرة للعقل ؛ وإلا: فلو كانت الأجساد تبطل رأساً ، وتضمحل أصلاً ، وتعود الأرواح إلى مبدئها الأول: ما كان الاتصال بالأبدان والعمل بالمشاركة فائدة ؛ ولبطل تقدير الثواب والعقاب على فعل العباد. ومن الدليل القاطع على ذلك: أن النفوس الإنسانية في حال اتصالها بالبدن اكتسبت أخلاقاً نفسانية صارت هيئات متمكنة فيها تمكن الملكات ، حتى قيل: أنها نزلت منزلة الفصول اللازمة التي تميزها عن غيرها ، ولولاها لبطل التمييز. وتلك الهيئات إنما حصلت بمشاركات من القوى الجسمانية ، بحيث لن يتصور وجودها إلا مع تلك المشاركة ، وتلك القوى لن تتصور إلا في أجسام مزاجية ، فإذا كانت النفوس لن تتصور إلا معها وهي المعينة المخصصة وتلك لن تتصور إلا مع الأجسام ؛ فلا بد من حشر الأجسام ، والمعاد بالأجسام.
قالت الصابئة: طريقنا في التوسل إلى حضرة القدس ظاهر ، وشرعنا معقول ؛ فإن قدماءنا من الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصاً في مقابلة الهياكل العلوية على نسب وإضافات ؛ راعوا فيها: جوهراًُ وصورة ، وعلى أوقات وأحوال وهيئات ؛ أوجبوا على من يتقرب بها إلى ما يقابلها من العلويات: تختماًن ولباساً ، وتبخراً ، ودعاء ، وتعزيماً ؛ فتقربوا إلى الروحانيات ، فتقربوا إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب. وهو طريق متبع ، وشرع ممهد: لا يختلف بالأمصار والمدن ، ولا ينتسخ بالأدوار والأكوار. ونحن تلقينا مبدأه من عاذيمون وهرمس العظيمين ؛ فعكفنا على ذلك دائمين.