والرابعة: المفكرة وهي قوة لها أن تركب وتفصل ما يليها من الصور المأخوذة عن الحس المشترك والمعاني الوهمية المدركة بالوهم ؛ فتارة تجمع ، وتارة تفصل ، وتارة تلاحظ العقل فتعرض عليه ، وتارة تلاحظ الحس فتأخذ منه ؛ وسلطانها في الجزء الأول من وسط الدماغ ، وكأنها قوة ما للوهم ؛ وتتوسط بين الوهم والعقل.
والخامسة: القوة الحافظة وهي التي كالخزانة لهذه المدركات: الحسية ، والوهمية ، والخيالية دون العقلية الصرفة ؛ فإن المعقول البحت لا يرتسم في جسم ولا في قوة في جسم ، والحافظة قوة في جسم ؛ وآلتها الروح المصبوب في أول البطن المؤخر من الدماغ.
والسادسة: القوة الذاكرة ، وهي التي تستعرض ما في الخزانة على جانب العقل أو على الخيال والوهم ؛ وآلتها الروح المصبوب في آخر البطن المؤخر من الدماغ.
وأما المعقول الصرف المبرأ عن الشوائب المادية ؛ فلا يحل في قوة جسمانية وقوة جسدانية ، حتى يقال: ينقسم بانقسامها ، ويتحقق لها وضع ومثال ؛ ولهذا لم تكن القوة الحافظة ، خزانة لها ، بل المصدر الأول الذي أفاض عليها تلك الصورة ار خازناً لها ؛ فحيثما طالعته النفس الإنسانية بقوتها العقلية المناسبة لواهب الصور نوعاً من المناسبة ، فاضت منه عليها تلك الصور المستحفظة له ؛ حتى كأنه ذكرها بعدما نسيت ، ووجدها بعدما ضلت عنه. وغريزة النفس الصافية تنزع إلى جانب القدس في تذكار الأمور الغائبة عن حضرة العقل نزاعاً طبيعياً ، فتستحضر ما غاب عنها ؛ ولهذا السر أخبر الكتاب الإلهي:"واذكر ربك إذا نسيت ، وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً"....حتى صار كثير من الحكماء إلى أن العلوم كلها تذكار ؛ وذلك أن النفوس كانت في البدء الأول في عالم التذكار ثم هبطت إلى عالم النسيان فاحتاجت إلى مذكرات لما قد نسيت ، معيدات إلى ما كانت قد ابتدأت: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين"، وذكرهم بأيام الله."