وأما ما هو بريء في ذاته عن الشوائب المادية منزه عن العوارض الغريبة ؛ فهو معقول لذاته ، ليس يحتاج إلى عمل يعمل فيه ؛ فيعقله ما من شأنه أن يعقله ؛ فلا مثال له يتمثل في العقل ، ولا ماهية له فيجرد له ، ولا وصول إليه بالإحاطة والفطرة ؛ إلا أن البرهان يدلنا عليه ويرشدنا إليه.
وكثيراً ما يلاحظ العقل الإنساني عالم العقل الفعال فيرتسم فيه من الصور المجردة المعقولة ارتساماً بريئاً عن العوائق المادية والعوارض الغريبة ، فيبتدر الخيال إلى تمثله ، فيمثله في صورة خيالية مما يناسب عالم الحس ، فينحدر إلى الحس المشترك ذلك المثال ، فيبصره كأنه يراه معايناً مشاهداً يناجيه ويشاهده ، حتى كأن العقل عمل بالمعقول عملاً جعله محسوساً ؛ وذلك إنما يكون عند اشتغال الحواس كلها عن أشغالها ، وسكون المشاعر عن حركاتها: في النوم لجماعة. وفي اليقظة للأبرار.
يا عجباً كل العجب من تركيب على هذا النمط!! ومن أين لغيره مثله؟؟ ونعود إلى ترتيب القوى وتعيين محالها ؛ أما القوى المتعلقة بالبدن التي ذكرناها آلات ومشاعر للجوهر الإنساني: فالأولى منها: الحس المشترك المعروف ببنطاسيا الذي هو مجمع الحواس ، ومورد المحسوسات ، وآلتها الروح المصبوب في مبادئ عصب الحس ؛ لا سيما في مقدم الدماغ.
والثانية: الخيال والمصورة. وآلتها الروح المصبوب في البطن والمقدم من الدماغ ؛ لا سيما في الجانب الأخير.
والثالثة: الوهم الذي هو لكثير من الحيوان ، وهو ما به تدرك الشاة معنى في الذئب فتنفر منه ، وبه تدرك معنى في النوع فتنفر إليه وتزدوج به ؛ وآلته الدماغ كله ؛ لكن الأخص منه به هو التجويف الأوسط.