هذا وجه تركيب البدن ، وترتيب القوى الخاصة به.
وأما وجه اتصال النفس به ، وترتيب القوى الخاصة بها مما يلي هذا العالم ، ومما يلي ذلك العالم ؛ فاعلم أن النفس الإنسانية جوهر هو أصل القوى: المحركة ؛ والمدركة ؛ والحافظة للمزاج: تحرك الشخص بالإرادة ؛ لا في جهات ميله الطبيعي ، وتتصرف في أجزائه ؛ ثم في جملته ، وتحفظ مزاجه عن الانحلال ، وتدرك بالمشاعر المركوزة فيه: وهي الحواس الخمسة ؛ فبالقوة الباصرة تدرك الألوان والأشكال ، وبالقوة السامعة تدرك الأصوات والكلمات ، وبالقوة الشامة تدرك الروائح ، وبالقوة الذائقة تدرك المطعومات ، وبالقوة اللامسة تدرك الملموسات وله فروع من قوى منبثة في أعضاء البدن ؛ حتى إذا أحس بشيء من أعضائه ، أو تخيل ، أو توهم ، أو اشتهى ، أو غضب... ألفى العلاقة التي بينه وبين تلك الفروع هيئة فيه ، حتى يفعل ؛ وله إدراك وقوة تحريك.
أما الإدراك فهو أن يكون مثال حقيقة المدرك: متمثلاً ، مرتسماً في ذات المدرك ، غير مباين له. ثم المثال: قد يكون مثال صورة الشيء ، وقد يرتسم في القوة الباصرة وقد غشيته غواش غريبة عن ماهيته ، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته ؛ مثل: أين ، وكيف ، ووضع ، وكم... معينة ، لو توهم بدلها غيرها لم يؤثر في ماهية ذلك المدرك ؛ والحس يناله من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة: لا يجردها عنه ، ولا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه ومادته.
ثم الخيال الباطن يتخيله مع تلك العوارض التي لا يقدر على تجريده المطلق عنها ، لكنه يجرده عن تلك العوائق الوضعية التي تعلق بها الحس ، فهو يتمثل صورة مع غيبوبة حاملها ، وعنده مثال العوارض ، لا نفس العوارض ، ثم الفكر العقلي يجرده عن تلك العوارض ؛ فيعرض ماهيته وحقيقته على العقل ، فيرتسم فيه مثال حقيقته ؛ حتى كأنه عمل بالمحسوس عملاً جعله معقولاً.