أما شخص الإنسان فمركب من الأركان الأربعة: التراب ، والماء ، والهواء ، والنار ؛ التي لها الطبائع الأربعة: اليبوسة ، والرطوبة ، والحرارة ، والبرودة ، ثم مركب فيه نفوس ثلاثة: إحداها: نفس نباتية: تنمو ؛ وتتغذى ؛ وتولد المثل ، والثانية: نفس حيوانية: تحس ؛ وتتحرك بالإرادة ، والثالثة: نفس إنسانية: بها يميز ؛ ويفكر ؛ ويعبر عما يفكر. ووجود النفس الأولى: من الأركان وطباعها ؛ وبقاءها بها ؛ واستمدادها منها ، ووجود النفس الثانية: من الأفلاك وحركاتها ؛ وبقاؤها بها ؛ واستمدادها منها ، ووجود النفس الثالثة: من العقول البحتة والروحانيات الصرفة ؛ وبقاؤها بها ؛ واستمدادها منها. ثم إن النباتية تطلب الغذاء طبعاً ، والحيوانية تطلب الغذاء حساً ، والإنسانية تطلب الغذاء اختياراً وعقلاً. ولكل نفس منها محل ؛ فمحل النباتية: الكبد ، ومنه مبدأ النمو والنشوء ؛ وعن هذا جعل فيه عروق دقاق ينفذ فيها الغذاء إلى الأطراف. ومحل الحيوانية: القلب ، ومنه مبدأ تدبير الحس والحركة ؛ وعن هذا فتح منه عروق إلى الدماغ ، فيصعد إلى الدماغ من حرارته ما يعدل تلك البرودة وينزل منه من آثاره ما يدبر به الحركة. ومحل الإنسانية تصريفاً وتدبيراً: الدماغ ؛ ومنه مبدأ الفكر ، والتعبير عن الفكر ؛ وعن هذا فتحت إليه أبواب الحواس مما يلي هذا العالم ، وفتحت إليه أبواب المشاعر مما يلي ذلك العالم. وههنا ثلاثة أعضاء ممدات لا بد منها: المعدة التي تمد الكبد بالغذاء ، والرئة التي تمد القلب بترويح الهواء ، والعروق التي تمد الدماغ بالحرارة. فإن: التركيب الإنساني أشرف التراكيب ؛ فهو مجمع آثار الكونين والعالمين ؛ فكل ما هو في العالم منتشر ففيه مجتمع ، وكل ما هو فيه من خواص الاجتماع فليس للعالم البتة ؛ لأن للاجتماع والتركيب خاصية لا توجد في حال الافتراق والانحلال. واعتبر فيه حالة السكر والخل ، وحال السكنجبين ، وكذلك الحكم في كل مزاج.