أما الأول: فإنهم قالوا: علوم الأنبياء عليهم السلام كلية وجزئية ، وفعلية وانفعالية ، وفطرية وكسبية ؛ فمن حيث تلاحظ عقولهم عالم الغيب منصرفة عن عالم الشهادة تحصل لهم العلوم الكلية: فطرة ودفعة واحدة ، ثم إذا لاحظوا عالم الشهادة حصلت لهم العلوم الجزئية: اكتساباً بالحواس على ترتيب وتدريج ؛ فكما أن للإنسان علوماً نظرية هي المعقولات ، وعلوماً حاصلة بالحواس عن المحسوسات ؛ فعالم المعقولات بالنسبة إلى الأنبياء كعالم المحسوسات بالنسبة إلى سائر الناس ؛ فنظرياتنا فطرية لهم ، ونظرياتهم لا نصل إليها قط ؛ بل ومحسوساتنا مكتسبة لهم ، ولنا بكواسب الجوارح: جوارح الحواس. فأمزجه الأنبياء عليهم السلام أمزجة نفسانية ، ونفوسهم نفوس عقلية ، وعقولهم عقول أمرية فطرية. ولو وقع حجاب في بعض الأوقات فذاك لموافقتنا ومشاركتنا ؛ كي تزكي هذه العقول وتصفي هذه الأذهان والنفوس ؛ وإلا فدرجاتهم وراء ما يقدر.
وأما الثاني ؛ فإنهم قالوا: من العجب أنهم لا يعجبون بهذه العلوم ؛ بل ويؤثرون التسليم على البصيرة ، والعجز على القدرة ، والتبرؤ من الحول والقوة على الاستقلال ، والفطرة على الاكتساب... وما أدرى ما يفعل به ولا بكم على إنما ما أوتيته على علم عندي. ويعلمون أن الملائكة والروحانيات بأسرها وإن علمت إلى غاية قوة نظرها وإدراكها ما أحاطت بما أحاط به علم الباري تعالى ؛ بل لكل منهم: مطرح نظر ، ومسرح فكر ، ومجال العقل ، ومنتهى أمل ، ومطار وهم وخيال... وإنهم إلى الحد الذي انتهى نظرهم إليه مستبصرون ، ومن ذلك الحد إلى ما وراءه ما لا يتناهى مسلمون مصدقون ، وإنما كمالهم في التسليم لما لا يعلمون ، والتصديق لما يجهلون ؛ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ليس كمال حالهم ؛ بل سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا هو الكمال.
فمن أين لكم معاشر الصابئة أن الكمال والشرف في العلم والعمل لا في التسليم والتوكل؟.