وأما قولكم: إن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء ، وصفاتها ، ومحالها ، ومراكزها ؛ فليس بحق ، وهو مذهب اللعين الأول ؛ حيث نظر إلى ذاته ، وذات آدم عليه السلام ، ففضل ذاته ؛ إذ هي مخلوقة من النار ، وهي علوية نورانية ، على ذات آدم وهو مخلوق من الطين ، وهو سفلي ظلمائي.
بل عندنا الاعتبار في الشرف: بالأمر ، وقبوله: فمن كان أقبل لأمره ، وأطوع لحكمه ، وأرضى بقدره: فهو أشرف ؛ ومن كان على خلاف ذلك: فهو أبعد ، وأخس ، وأخبث. فأمر الباري تعالى هو الذي يعطي الروح: قل: الروح من أمر ربي ؛ وبالروح يحيا الإنسان الحياة الحقيقية ، وبالحياة يستعد للعقل الغريزي ، وبالعقل يكتسب الفضائل ويجتنب الرذائل. ومن لم يقبل أمر الباري تعالى: فلا روح له ، ولا حياة له ، ولا عقل له ، ولا فضيلة له ، ولا شرف عنده.
قالت الصابئة: الروحانيات فضلت الجسمانيات بقوتي: العلم ، والعمل. أما العلم فلا ينكر إحاطتهم بمغيبات الأمور عنا ، وإطلاعها على مستقبل الأحوال الجارية عليه ؛ ولأن علومها كلية ، وعلوم الجسمانيات جزئية ؛ وعلومهم فعلية ، وعلوم الجسمانيات انفعالية ؛ وعلومهم فطرية ، وعلوم الجسمانيات كسبية... فمن هذه الوجوه: تحقق لها الشرف على الجسمانيات.
وأما العمل فلا ينكر أيضاً عكوفهم على العبادة ، ودوامهم على الطاعة: يسبحون الليل والنهار لا يفترقون لا يلحقهم كلال ولا سآمة ، ولا يرهقهم ملال ولا ندامة. فتحقق لها الشرف أيضاً بهذا الطرف ، وكان أمر الجسمانيات بالخلاف من ذلك.
أجابت الحنفاء: عن هذا بجوابين: أحدهما: التسوية بين الطرفين ، وإثبات زيادة في جانب الأنبياء عليهم السلام. والثاني ؛ بيان ثبوت الشرف في غير العلم والعمل.