أجابت الحنفاء: قالوا: لسنا نوافقكم أولاً: على أن الروحانيات كلها نورانية ، ولا نساعدكم ثانياً: أن الشرف للعلو ، ولا نساهلكم أصلاً: أن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء. وعلينا بيان هذه المقدمات الثلاث ؛ فإن فيها فوائد كثيرة: أما الأولى: فقالوا: حكمتم على الروحانيات حكم التساوي ، وما اعتبرتم فيها التضاد والترتب ، وإذا كانت الموجودات كلها روحانيها وجسمانيها على قضية التضاد والترتب ، فلما أغفلتم الحكمين ههنا؟! وذلك أن من قال: الروحاني هو ما ليس بجسماني ؛ فقد أدخل جواهر الشياطين والأبالسة والأراكنة في جملة الروحانيات ، وكذلك من أثبت الجن أثبتها روحانية لا جسمانية ؛ ثم من الجن من هو مسلم ، ومنها من هو ظالم. ومن قال الروحاني هو المخلوق روحاً ، فمن الأرواح ما هو خير ، ومنها ما هو شرير ، والأرواح الخبيثة أضداد الأرواح الطيبة ؛ فلا بد إذن من إثبات تضاد بين الجنسين ، وتنافر بين الطرفين. فلم نسلم دعواكم: أنها كلها نورانية.
بلى! وعندنا معاشر الحنفاء الروح: هو الحاصل بأمر الباري تعالى الباقي على مقتضى أمره: فمن كان لأمره تعالى أطوع ، وبرسالات رسله أصدق: كانت الروحانية فيه أكثر ، والروح عليه أغلب ؛ ومن كان لأمره تعالى أنكر ، وبشرائعه أكذب: كانت الشيطنة عليه أغلب.
هذه قاعدتنا في الروحانيات ، فلا روحاني أبلغ في الروحانية ، من ذوات الأنبياء والرسل عليهم السلام.
وأما قولكم: إن الشرف للعلو: إن عنيتم به علو الجهة فلا شرف فيه ؛ فكم من عال جهة: سافل رتبة ، وعلماً ، وذاتاً ، وطبيعة ؛ وكم من سافل جهة: عال على الأشياء كلها رتبة ، وفضيلة ، وذاتاً ، وطبيعة.