70 -وبعد أن أمر رسوله بالإعراض عمن اتخذ آيات الله هزوا .. أمره بترك المستهزئين بدينهم، الذين غرتهم الحياة الدنيا فقال: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} ؛ أي: واترك يا محمَّد هؤلاء المشركين الذين اتخذوا وجعلوا دينهم الذي أمروا به ودعوا إليه - وهو دين الإِسلام - لعبًا ولهوًا، وذلك حيث سَخِروا به واستهزؤوا به. وقيل: إنهم اتخذوا عبادة الأصنام لعبًا ولهوًا. وقيل: إن الكفار إذا سمعوا القرآن لعبوا ولهوا عند سماعه. وقيل: إن الله جعل لكل قوم عيدًا، فاتخذ كل قوم دينهم - يعني: عيدهم - لعبًا ولهوًا، يلعبون ويلهون فيه إلا المسلمين، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة وتكبيرًا وفعل الخير فيه، مثل عيد الفطر، وعيد النحر، ويوم الجمعة. {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} يعني: أنهم اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا، وغلب حبها على قلوبهم، فأعرضوا عن دين الحق، واتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا. وقال الرازي: لأجل استيلاء حب الدنيا أعرضوا عن حقيقة الدين، واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوصلوا بها إلى حطام الدنيا. انتهى. ومعنى الآية: وذر يا محمَّد الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، واتركهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم. والمراد بتركهم: ترك معاشرتهم ومخالطتهم، لا ترك الإنذار والتخويف.
وعبارة"المراغي"هنا أي: ودَعْ أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين هؤلاء المشركين، الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، وغرتهم الحياة الدنيا الفانية، فآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذاتها الحقيرة الفانية المشوبة بالمنغصات عما جاءهم من الحق مؤيدًا بالحجج والآيات، فاستبدلوا الخوض فيها بما كان يجب من فقهها وتدبرها، ونحو الآية قوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) } . واتخاذهم دينهم لعبًا ولهوًا؛ أنهم لما عملوا ما لا يزكي نفوسهم، ولا يطهر قلوبهم، ولا يهذب أخلاقهم، ولا يقع على وجه يرضي الله سبحانه، ولا يعد للقائه في دار الكرامة .. أضاعوا الوقت فيما لا يفيد، وهذا هو اللعب، أو شغلوا عن شؤونهم وهمومهم الأخروية وهذا هو اللهو.