نقف لنقول كلمة عن «الغيب» و «مفاتحه» واختصاص الله - سبحانه - «بالعلم» بها .. ذلك أن حقيقة الغيب من «مقومات التصور الإسلامي» الأساسية؛ لأنها من مقومات العقيدة الإسلامية، ومن قواعد «الإيمان» الرئيسية .. وذلك أن كلمات «الغيب» و «والغيبية» تلاك في هذه الأيام كثيرا - بعد ظهور المذهب المادي - وتوضع في مقابل «العلم» و «العلمية» .. والقرآن الكريم يقرر أن هناك «غيبا» لا يعلم «مفاتحه» إلا الله. ويقرر أن ما أوتيه الإنسان من العلم قليل .. وهذا القليل إنما آتاه الله له بقدر ما يعلم هو - سبحانه - من طاقته ومن حاجته، وأن الناس لا يعلمون - فيما وراء العلم الذي أعطاهم الله إياه - إلا ظنا، وأن الظن لا يغني عن الحق شيئا .. كما يقرر - سبحانه - أن الله قد خلق هذا الكون، وجعل له سننا لا تتبدّل وأنّه علّم الإنسان أن يبحث عن هذه السنن ويدرك بعضها، ويتعامل معها - في حدود طاقته وحاجته - وأنّه سيكشف له من هذه السنن في الأنفس والآفاق ما يزيده يقينا وتأكدا أن الذي جاءه من عند ربه هو الحق .. دون أن يخل هذا الكشف عن سنن الله التي لا تبديل لها بحقيقة «الغيب» المجهول للإنسان، والذي سيظل كذلك مجهولا، ولا بحقيقة طلاقة مشيئة الله وحدوث كل شيء بقدر غيبي خاص من الله،
ينشئ هذا الحدث ويبرزه للوجود .. في تناسق تامّ في العقيدة الإسلامية، وفي تصوّر المسلم النّاشيء من حقائق العقيدة .. ».
كلمة في السياق:
تتألف المجموعة الحادية عشرة التي هي خاتمة الجولة الأولى من المقطع الثاني من سورة الأنعام تتألف هذه المجموعة من آيتين: آية وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ... والآية التالية وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ....
وهاتان الآيتان تعودان بنا إلى بداية المقطع كله لتكونا بمثابة إعادة النهر إلى مجراه الرئيسي، فهما تأتيان نهاية لجولة ومقدمة لجولة أخرى في مقطعهما.
بدأ المقطع بقوله تعالى وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ثم جرى حوار شامل، ثم عاد المقطع إلى الكلام عن الله بصيغة التقرير:
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ... وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ...