وهذه الآية وأمثالها في القرآن الكريم تكفي وحدها لمعرفة مصدر هذا الكتاب الكريم .. كذلك ننظر إليها من ناحية الإبداع في التعبير ذاته، فنرى آفاقا من الجمال والتناسق لا تعرفها أعمال البشر، على هذا المستوى السامق: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ .. آماد وآفاق وأغوار في «المجهول» المطلق، في الزمان والمكان، وفي الماضي والحاضر والمستقبل، وفي أحداث الحياة وتصورات الوجدان.
وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .. آماد وآفاق وأغوار في «المنظور» ، على استواء وسعة وشمول .. تناسب في عالم الشهود والمشهود تلك الآماد والآفاق والأغوار في عالم الغيب المحجوب.
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها .. حركة الموت والفناء، وحركة السقوط والانحدار، من علو إلى سفل، ومن حياة إلى اندثار.
وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ .. حركة البزوغ والنّماء. المنبثقة من الغور إلى السطح، ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق.
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ .. التعميم الشامل، الذي يشمل الحياة والموت والازدهار والذبول، في كل حي على الإطلاق .. فمن ذا الذي يبدع ذلك الاتجاه والانطلاق؟ ومن ذا الذي يبدع هذا التناسق والجمال؟ .. من ذا الذي يبدع هذا كله وذلك، في مثل هذا النص القصير .. من؟ إلا الله!
ثم نقف عند قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ..