إذن فمن الجن من هو مؤمن . ومن الجن من هو عاصٍ . والعاصي من الجن يُسمى شيطاناً . وإياك أن تنكر أيها المسلم وجود الشيطان لأنك لا تراه ، لأن الشيطان من المخلوقات التي ذكرها الله من عالم الغيب ، وحجة وجودها هو تصديقك لمن قال عنها ، وهناك فرق منطقي وفلسفي بين وجود الشيء وبين إدراك وجود الشيء . والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يوحدوا ويربطوا بين وجود شيء وإدراكه . وهناك فارق بين أن يوجد أو يدرك ؛ ذلك أن هناك ما يكون موجوداً ولكنه لا يُدرك .
{قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ على أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله} [الأنعام: 71] .
جاء هذا التصور في صورة استفهام . إنّ الحق طلب من رسوله أن يقوله ، فكأن الصورة: أن قوماً هداهم الله إلى الحق فدُعُوا إلى أن يعبدوا غير الله ويدعوا ما لا ينفع ولا يضر ، فيردوا على أعقابهم ، أي بعد الهداية ، وهذه هي صورة الحيرة والتردد ؛ لأنهم كانوا على هدى ، ثم دُعُوا إلى أن يعبدوا من دون الله ما لا ينفع ولا يضر . وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة لهذه الحيرة ، ولهذا التردد ، فقال: {كالذي استهوته الشياطين} .
و"استهوته"من مادة"استفعل"وتأتي دائماً للطلب ؛ كقولنا"استفهم".
أي طلب الفهم ، و"استخرج". أي طلب الإخراج للشيء ،"فاستهوته"طلبت هُوِيَّة . أي جعلته يتقبّل ما تريد واستولت عليه دون أن يكون لديه أي دليل أو حجة على صحة ما تدعوه إليه بأن صار عجينة تشكله الشياطين كما تشاء ، وترده مادة"الهاء والواو والياء"لمعانٍ ، إن مُدَّت ؛ فهي الهواء الذي نتنفسه ، وما به أصل الحياة ، وإن قُصِرَت ، فإنها هي الهَوَى وهو ميل النفس إلى شيء ، أو تكون هُويًّا أي سقوطاً .