وهذه هي الخلاصة المجملة لهذه الموجة من السياق.
{وكذب به قومك - وهو الحق - قل: لست عليكم بوكيل. لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} ..
والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيه، ويعطي المؤمنين من ورائه، الثقة التي تملأ القلب بالطمأنينة. الثقة بالحق - ولو كذب به قومه وأصروا على التكذيب - فما هم بالحكم في هذا الأمر، إنما كلمة الفصل فيه لله سبحانه. وهو يقرر أنه الحق. وأن لا قيمة ولا وزن لتكذيب القوم!
ثم يأمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبرأ من قومه وينفض منهم يده، وأن يعلنهم بهذه المفاصلة، ويعلمهم أنه لا يملك لهم شيئاً؛ وأنه ليس حارساً عليهم ولا موكلاً بهم بعد البلاغ، ولا مكلفاً أن يهدي قلوبهم - فليس هذا من شأن الرسول - ومتى أبلغهم ما معه من الحق، فقد انتهى بينه وبينهم الأمر؛ وأنه يخلي بينهم وبين المصير الذي لا بد أن ينتهي إليه أمرهم. فإن لكل نبأ مستقراً ينتهي إليه ويستقر عنده. وعندئذ يعلمون ما سيكون!
{لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} ..
وفي هذا الإجمال من التهديد ما يزلزل القلوب ..
إنها الطمأنينة الواثقة بالحق؛ الواثقة بنهاية الباطل مهما تبجح، الواثقة بأخذ الله للمكذبين في الأجل المرسوم، الواثقة من أن كل نبأ إلى مستقر؛ وكل حاضر إلى مصير.
وما أحوج أصحاب الدعوة إلى الله - في مواجهة التكذيب من قومهم، والجفوة من عشيرتهم، والغربة في أهلهم، والأذى والشدة والتعب واللأواء .. ما أحوجهم إلى هذه الطمأنينة الواثقة التي يسكبها القرآن الكريم في القلوب!