هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وذلك لأن أحد المتناظرين، إذا قال للآخر: هذا الذي تقوله خطأ، وأنت فيه مخطئ، يغضبه، وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك في أنه مخطئ والتمادي في الباطل قبيح، والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق، فنجتهد ونبصر رأينا على الخطأ ليحترز، فإنه يجتهد ذلك الخصم في النظر، ويترك التعصب، وذلك لا يوجب نقصا في المنزلة لأنه أوهم بأنه في قوله شاك - ويدل عليه قول الله تعالى لنبيه: (إنا وإياكم) مع أنه لا يشك في أنه هو الهادي وهو المهتدي، وهم الضالون والمضلون -
ثم قال تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا، ولا نسأل عما تعملون) أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم: (ولا نسأل عما تعملون) ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم وقوله (لا تسألون) (ولا نسأل) زيادة حث على النظر، وذلك لأن كل أحد إذا كان مؤاخذا بجرمه، فإذا احترز نجا ولو كان البريء يؤاخذ بالجرم لما كفى النظر -
ثم قال تعالى: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم) أكد ما يوجب النظر والتفكير، فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب، فكيف إذا كان يوم عرض وحساب وثواب وعذاب -
ومجادلات الرسل مع أقوامهم، كما حكاها القرآن، تحمل هذا المعنى بكل جلاء، معنى الفرق والتلطف واستخدام ألين العبارات في الدعوة والحوار -
وحسبنا أن نذكر نموذجا لذلك حوار نوح عليه السلام مع قومه لنتمثل فيه أدب النبوة، وهديها -