وصدق الله العظيم.. فإن الإنسان ليرى من بعض الخلق ما يضيق به الصدر ، وتبلغ منه الروح الحلقوم.. ثم ينظر فيجد الله - سبحانه - يسعهم في ملكه ، ويطعمهم ، ويسقيهم ، ويغدق أحياناً عليهم ، ويفتح عليهم أبواب كل شيء .. وما يجد الإنسان إلا أن يقول قولة أبي بكر - رضي الله عنه - والمشركون يضربونه الضرب المبرح الغليظ ، حتى ما يعرف له أنف من عين:"رب ما أحلمك! رب ما أحلمك!".
.فإنما هو حلم الله وحده.. وهو يستدرجهم من حيث لا يعلمون!
{والله أعلم بالظالمين} ..
فهو يمهلهم عن علم ، ويملي لهم عن حكمة ، ويحلم عليهم وهو قادر على أن يجيبهم إلى ما يقترحون ، ثم ينزل بهم العذاب الأليم..
وبمناسبة علم الله - سبحانه - بالظالمين ؛ واستطراداً في بيان حقيقة الألوهية ؛ يجلي هذه الحقيقة في مجال ضخم عميق من مجالاتها الفريدة.. مجال الغيب المكنون ، وعلم الله المحيط بهذا الغيب إحاطته بكل شيء ، ويرسم صورة فريدة لهذا العلم ؛ ويرسل سهاماً بعيدة المدى تشير إلى آماده وآفاقه من بعيد:
{وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ، ويعلم ما في البر والبحر ، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الأرض ، ولا رطب ولا يابس ، إلا في كتاب مبين} ..
إنها صورة لعلم الله الشامل المحيط ؛ الذي لا يند عنه شيء في الزمان ولا في المكان ، في الأرض ولا في السماء ، في البر ولا في البحر ، في جوف الأرض ولا في طباق الجو ، من حي وميت ويابس ورطب..
ولكن أين هذا الذي نقوله نحن - بأسلوبنا البشري المعهود - من ذلك النسق القرآني العجيب؟ وأين هذا التعبير الإحصائي المجرد ، من ذلك التصوير العميق الموحي؟