فَعِنْدَ هَذَا وَدَّعَ الْعِلْمَ وَشَكَرَهُ ، وَقَالَ: قَدْ طَالَ مَقَامِي عِنْدَكَ وَمُرَادَتِي لَكَ ، وَأَنَا عَازِمٌ عَلَى أَنْ أُسَافِرَ إِلَى حَضْرَةِ الْقَلَمِ ، وَأَسْأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ ، فَسَافَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: مَا بَالُكَ أَيُّهَا الْقَلَمُ ، تَخُطُّ عَلَى الدَّوَامِ فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْعُلُومِ مَا تُبْعَثُ بِهِ الْإِرَادَاتُ إِلَى أَشْخَاصِ الْقُدَرِ وَصَرْفِهَا إِلَى الْمَقْدُورَاتِ ؟ فَقَالَ: أَوَ قَدْ نَسِيتَ مَا رَأَيْتَ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ ، وَسَمِعْتَ مِنْ جَوَابِ الْقَلَمِ إِذَا سَأَلْتَهُ فَأَحَالَكَ عَلَى الْيَدِ ؟ قَالَ: لَمْ أَنْسَ ذَلِكَ . قَالَ: فَجَوَابِي مِثْلُ جَوَابِهِ ، قَالَ: كَيْفَ وَأَنْتَ لَا تُشْبِهُهُ ، قَالَ الْقَلَمُ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: فَسَلْ عَنْ شَأْنِي الْمُلَقَّبَ بِيَمِينِ الْمَلِكِ ، فَإِنِّي فِي قَبْضَتِهِ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْدُدْنِي وَأَنَا مَقْهُورٌ مُسَخَّرٌ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلَمِ الْإِلَهِيِّ وَقَلَمِ الْآدَمِيُّ فِي مَعْنَى التَّسْخِيرِ ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ فِي ظَاهِرِ الصُّورَةِ . فَقَالَ: فَمَنْ يَمِينُ الْمَلِكِ ؟ فَقَالَ الْقَلَمُ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (39: 67) قَالَ: نَعَمْ ، وَالْأَقْلَامُ أَيْضًا فِي قَبْضَةِ يَمِينِهِ هُوَ الَّذِي يُرَدِّدُهَا . فَسَافَرَ السَّالِكُ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى الْيَمِينِ حَتَّى شَاهَدَهُ ، وَرَأَى مِنْ عَجَائِبِهِ مَا يَزِيدُ عَلَى عَجَائِبِ الْقَلَمِ ، وَلَا يَجُوزُ وَصْفُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا شَرْحُهُ ، بَلْ لَا تَحْوِي مُجَلَّدَاتٌ كَثِيرَةٌ عُشْرَ عُشَيْرِ وَصْفِهِ ، وَالْجُمْلَةُ فِيهِ أَنَّهُ يَمِينٌ