الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّوْحِيدِ ، فَكَذَلِكَ الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ يُسَاعِدُ عَلَيْهِ ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمَبْدَأَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْآثَارِ وَالنَّتَائِجِ وَالصَّنَائِعِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْمُؤَثِّرِ ، وَالْمُؤَثِّرُ الْأَوَّلِ فِي كُلِّ الْمُمَكَّنَاتِ هُوَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ ، فَالْمِفْتَحُ الْأَوَّلُ لِلْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ هُوَ الْعِلْمُ بِهِ سُبْحَانَهُ ، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِهِ لَيْسَ إِلَّا لَهُ ؛ لِأَنَّ مَا سِوَاهُ أَثَرٌ ، وَالْعِلْمُ بِالْأَثَرِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْمُؤَثِّرِ ، فَظَهَرَ بِهَذَا الْبُرْهَانِ أَنَّ مَفَاتِحَ الْغَيْبِ لَيْسَتْ إِلَّا عِنْدَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) : قُرِئَ (وَلَا حَبَّةٌ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٌ وَلَا يَابِسٌ) بِالرَّفْعِ وَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ (الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى مَحَلٍّ مِنْ"وَرَقَةٍ"، وَأَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَخَبَرُهُ"إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ"، كَقَوْلِكَ: لَا رَجُلٌ مِنْهُمْ ، وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا فِي الدَّارِ .
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) : قَوْلُهُ (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) فِيهِ قَوْلَانِ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ الْمُبِينَ هُوَ عِلْمُ اللهِ تَعَالَى لَا غَيْرَ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْوَبُ ، (وَالثَّانِي) قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَثْبَتَ كَيْفِيَّةَ الْمَعْلُومَاتِ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (57: 22) .