أَبَيِّنَةً تَبْغُونَ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ ... وَقَوْلِ سُوَيْدٍ قَدْ كَفَيْتُكُمْ بِشْرَا
{وَكَذَّبْتُمْ بِهِ}
يَقُولُ: وَكَذَبْتُمْ أَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ. وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ {بِهِ} مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَزَّ {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ}
يَقُولُ: مَا الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ بِيَدِي، وَلَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ بِقَادِرٍ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْحِيدِهِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ: {هَلْ هَذَا إِلَّا بِشْرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} ، وَقَالُوا لِلْقُرْآنِ: هُوَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ اخْتِلَاقٌ اخْتَلَقَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مُحَمَّدٌ شَاعِرٌ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجِبْهُمْ بِأَنَّ الْآيَاتِ بِيَدِ اللَّهِ لَا بِيَدِكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُولٌ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ لِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَقْضِي الْحَقَّ فِيهِمْ وَفِيكَ وَيَفْصِلُ بِهِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَيَتَبَيَّنُ الْمُحِقُّ مِنْكُمْ وَالْمُبْطِلُ.
{وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} أَيْ وَهُوَ خَيْرٌ مَنْ بَيَّنَ وَمَيَّزَ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ وَأَعْدَلُهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ حَيْفٌ إِلَى أَحَدٍ لِوَسِيلَةٍ لَهُ إِلَيْهِ وَلَا لِقَرَابَةٍ وَلَا مُنَاسَبَةٍ، وَلَا فِي قَضَائِهِ جَوْرٌ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ فِي الْأَحْكَامِ فَيَجُورُ، فَهُوَ أَعْدَلُ الْحُكَّامِ وَخَيْرُ الْفَاصِلِينَ.
وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (وَهُوَ أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ) .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: (يَقْضِ الْحَقَّ) فَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ} بِالصَّادِ بِمَعْنَى الْقَصَصِ، وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} .