واختلف علماء الكلام فِي اعتبار قيد الإيصال إلى الخير فِي حقيقة الهداية فالجمهور على عدم اعتباره وأنها الدلالة على طريق الوصول سواء حصل الوصول أم لم يحصل وهو قول الأشاعرة وهو الحق.
وذهب جماعة منهم الزمخشري إلى أن الهداية هي الدلالة مع الإيصال وإلا لما امتازت عن الضلالة أي حيث كان الله قادراً على أن يوصل من يهديه إلى ما هداه إليه ، ومرجع الخلاف إلى اختلافهم فِي أصل آخر وهو أصل معنى رضى الله ومشيئته وإرادته وأمره ، فأصحاب الأشعري اعتبروا الهداية التي هي من متعلق الأمر ، والمعتزلة نظروا إلى الهداية التي هي من متعلق التكوين والخلْق ، ولا خلاف فِي أن الهداية مع الوصول هي المطلوبة شرعاً من الهادي والمهدي مع أنه قد يحصل الخطأ للهادي وسوء القبول من المهدي وهذا معنى ما اختار عبد الحكيم أنها موضوعة فِي الشرع لقدر المشترك لورودها فِي القرآن فِي كل منهما قال: {إنك لا تهدي من أحببت}
[القصص: 56] وقال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}
[فصلت: 17] والأصل عدم الاشتراك وعدم المجاز.
والهداية أنواع تندرج كثرتها تحت أربعة أجناس مترتبة: الأول إعطاء القوى المحركة والمدركة التي بها يكون الاهتداء إلى انتظام وجود ذات الإنسان ، ويندرج تحتها أنواع تبتدئ من إلهام الصبي التقام الثدي والبكاء عند الألم إلى غاية الوجدانِيَّات التي بها يدفع عن نفسه كإدراك هول المهلكات وبشاعة المنافرات ، ويجلب مصالحه الوجودية كطلب الطعام والماء وذودِ الحشرات عنه وحك الجلد واختلاج العين عند مرور ما يؤذي تجاهها ، ونهايتها أحوال الفكر وهو حركة النفس فِي المعقولات أعني ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول فِي البديهيات وهي القوة الناطقة التي انفرد بها الإنسان المنتزعة من العلوم المحسوسة.
الثاني نصب الأدلة الفارقة بين الحق والباطل والصواب والخطأ ، وهي هداية العلوم النظرية.