وكقوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) }
(الأنعام 3 - 4) .
ففي الآية التفات من الخطاب في قوله:"يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون"إلى الغيبة في قوله"وما تأتيهم"قال الطاهر بن عاشور:"ففي العدول عن الخطاب"
إلى الغيبة بالنسبة إليهم التفات أوجبه تشهيرهم بهذا الحال الذميم تنصيصاً على ذلك وإعراضاً عن خطابهم وتمحيصاً للخطاب للمؤمنين وهو من أحسن الالتفات لأن الالتفات يحسنه أن يكون له مقتض زائد على نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب المراد منه تجديد نشاط السامع"."
وذكر أبو السعود الفائدة من هذا الالتفات بقوله:"والالتفات للإشعار بأن ذكر قبائحهم قد اقتضى أن يضرب عنهم الخطاب صفحاً وتعدد جناياتهم لغيرهم ذماً لهم وتقبيحاً".
5 -الالتفات من الغيبة إلى التكلم:
كقوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) } (طه،53) .
ففي هذه الآية التفات إلى التكلم في قوله"فأخرجنا"وذلك بعد أسلوب الغيبة في قوله:"وأنزل"وفائدة الالتفات التنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن تنقاد لأمره وتذعن لمشيئته الأشياء المختلفة.
وقال الشنقيطي: وهذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم ... يدل
على تعظيم شأنه إنبات النبات لأنه لو لم ينزل الماء ولم ينبت شيئاً لهلك الناس جوعاً وعطشاً فهو يدل على عظمته جل وعلا وشدة احتياج الخلق إليه ولزوم طاعتهم له جل وعلا"."