كقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} (البقرة 87 - 88)
الالتفات في قوله:"وقالوا"بصيغة الغيبة عنهم وذلك بعد مخاطبتهم
فيما سبق.
قال الطاهر بن عاشور:"وقالوا قلوبنا غلف إما عطف على قوله"استكبرتم"أو على"كذبتم"فيكون على الوجه الثاني تفسيراً للاستكبار أي يكون على تقدير عطفه على كذبتم من جملة تفصيل الاستكبار بأن أشير إلى أن استكبارهم أنواع تكذيب وتقتيل وإعراض، وعلى الوجهين ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، وإبعاد"
لهم عن مقام الحضور فهو من الالتفات الذي نكتته أن ما أجري على المخاطب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال وإعراض البال عنه، فيشار إلى هذا الإبعاد بخطابه بخطاب البعد فهو كناية.
وقد حسن الالتفات لأنه مؤذن بانتقال الكلام إلى سوء مقابلتهم للدعوة المحمدية وهو غرض جديد، فإنه لما تحدث عنهم بما هو من شؤونهم من أنبيائهم وجه الخطاب إليهم، ولما أريد الحديث عنهم في إعراضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم صار الخطاب جارياً مع المؤمنين، وأجرى على اليهود ضمير الغيبة، وأما أبو السعود فقد ذكر الفائدة من هذا الالتفات إلى الغيبة بقوله:"إشعاراً بإبعادهم عن رتبة الخطاب".
وقال الآلوسي:"فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عن مخاطبتهم وإبعاداً لهم عن عز الحضور".