في دلائل مثبتي القول بالصفات: اعلم أنه ثبت أن إله العالم يجب أن يكون عالماً قادراً حياً ، فنقول يمتنع أن يكون علمه وقدرته نفس تلك الذات ، ويدل عليه وجوه: الأول: أنا ندرك تفرقة ضرورية بديهية بين قولنا: ذات الله ذات ، وبين قولنا: ذات الله عالمة قادرة ، وذلك يدل على أن كونه عالماً قادراً ليس نفس تلك الذات.
الثاني: أنه يمكن العلم بكونه موجوداً مع الذهول عن كونه قادراً وعالماً ، وكذلك يمكن أن يعلم كونه قادراً مع الذهول عن كونه عالماً ، وبالعكس ، وذلك يدل على أن كونه عالماً قادراً ليس نفس تلك الذات ، الثالث: أن كونه عالماً عام التعلق بالنسبة إلى الواجب والممتنع والممكن ، وكونه قادراً ليس عام التعلق بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة ، بل هو مختص بالجائز فقط ، ولولا الفرق بين العلم وبين القدرة وإلا لما كان كذلك ، الرابع: أن كونه تعالى قادراً يؤثر فِي وجود المقدور ، وكونه عالماً لا يؤثر ، ولولا المغايرة وإلا لما كان كذلك ، الخامس: أن قولنا: موجود ، يناقضه قولنا: ليس بموجود ، ولا يناقضه قولنا: ليس بعالم ، وذلك يدل على أن المنفي بقولنا: ليس بموجود مغاير للمنفي بقولنا: ليس بعالم ، وكذا القول فِي كونه قادراً.
فهذه دلائل واضحة على أنه لا بدّ من الإقرار بوجود الصفات لله تعالى ، إلا أنه بقي أن يقال: لم لا يجوز أن تكون هذه الصفات صفات نسبية وإضافية فالمعنى من"كونه قادراً"كونه بحيث يصح منه الإيجاد ، وتلك الصحة معللة بذاته ، و"كونه عالماً"معناه الشعور والإدراك ، وذلك حالة نسبية إضافية ، وتلك النسبية الحاصلة معللة بذاته المخصوصة ، وهذا تمام الكلام فِي هذا الباب.
المسألة الثالثة: